ابن عربي
34
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
من تلك الألفاظ التي حواها الكتاب ، والتعريف من المعاني المخلصة عن المواد ، فأعطاهم اللّه العلم غير مشوب قال تعالى : « وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ » يعلمهم الحق ما يؤول إليه هذا اللفظ المنزل المرقوم وما أودع فيه من المعاني من غير فكر فيه إذ الفكر في نفسه غير معصوم من الغلط في حق كل واحد - الوجه الثاني - « لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ » لأعطاهم من العلوم الخارجة عن الكسب ، وهي علم الوهب اللدني « وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ » من العلوم الداخلة تحت الكسب الذي يناله أهل التقوى من هذه الأمة ، فهي معارف مكتسبة لا موهوبة ، من كسبهم واجتهادهم - الوجه الثالث - « لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ » الضمير يعود على الذين أكلوا من فوقهم ، وهم الذين ذكر اللّه لو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم فأكلوا من فوقهم ، وهو علم الوهب لا من جهة الكسب ، وهو العلم المذكور في الوجه الثاني بقسميه ثم قال « وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ » فمن تحت أرجل هؤلاء أمم منهم أمة مقتصدة ، وهم أهل الكسب ، وهم الذين يتأولون كتاب اللّه ولا يقيمونه بالعمل الذي نزل إليه ، ولا يتأدبون في أخذه ، وهم على قسمين : القليل منهم المقتصد في ذلك وهو الذي قارب الحق ، وقد يصيب الحق فيما تأوله بحكم الموافقة ، لا بحكم القطع ، فإنه ما يعلم مراد اللّه فيما أنزله على التعيين إلا بطريق الوهب ، وهو الإخبار الإلهي الذي يخاطب به الحق قلب العبد في سره بينه وبينه . ومن لم يقتصد في ذلك وتعمق في التأويل بحيث أنه لم يترك مناسبة بين اللفظ المنزل والمعنى ، أو قرر اللفظ على طريق التشبيه ، ولم يرد علم ذلك إلى اللّه فيه ، وهم الذين قال اللّه فيهم في الآية عينها « وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ » وأي سوء أعظم من هذا ، وهؤلاء هم القسم الثاني . فالتقدير في الآية على التفسير « وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ » أمم « مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ » ولهذا قال لنبيه : « وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ » وقال : « ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ » فأشرف العلوم ما ناله العبد من طريق الوهب - الوجه الرابع - « لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ » يريد استواءه على العرش والسماء بل كل ما علا « وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ » يريد نسبة التحت إلى اللّه من قوله صلّى اللّه عليه وسلم « لو دليتم بحبل لهبط على الله » مع أنه ليس كمثله شيء فالنسب إليه على السواء فللّه الفوق والتحت .